راهنية الثلاثية النقدية الكانطية في الفكر الفلسفي المعاصر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

راهنية الثلاثية النقدية الكانطية في الفكر الفلسفي المعاصر

مُساهمة  hamza_fes في الثلاثاء ديسمبر 08, 2009 1:43 pm

الرابط : دراسات
توبير سعيد - المغرب

قد يعترض البعض على تناول موضوع التفلسف أو تعليم الفلسفة في فلسفة كانط من جهة آنتماء فلسفته النسقية إلى العصر الحديث . ذلك العصر الحديث ، الذي آهتزت أسسه العلمية والفلسفية مع ثورة الفيزياء العاصرة التي أعادت النظر في كل الجهاز المفاهيمي والحال هو أن فلسفة كانط النقدية و النظرية قد شكلت الشلال الخصب للفلسفة المعاصرة . و لذلك لن نجد من يسند طرحنا غير موقف أحد الباحثين المعاصرين في الدفاع عن مرجعية كانط الأصيلة في الفلسفة ، والتي مازالت راهنيتها حاضرة في نقاش الفلاسفة المعاصرين . إن الموقف الذي سنهتم به هو" للآن رونو "[1] من خلال دفاعه عن راهنية المؤلف الكانطي الشهير "نقد ملكة الحكم" و الذي لم يحظ بما فيه الكفاية من القراءة والتأويل المستفيضين في السابق . أما اليوم فإن نفس العمل الفلسفي أصبح يفرض نفسه آنطلاقا من الحوار و النقاش الذي بدأ يدور بين مجموعة من الفلاسفة المعاصرين . لينتهي هذا الحوار العميق إلى تتويج الفكر الكانطي على عرش أمتن و أروع الأعمال الفلسفية التي عرفها تاريخ الفلسفة على الآطلاق من جهة القوة و الآغتناء . وفي حمأة إعادة الآعتبار إلى العمل الفلسفي المتميز " نقد ملكة الحكم"مع نوع من التضامن المباشر مع هذا العمل الفلسفي الرائع ؛ و ذلك عبر فعل التأويل المجدد للآقتصاد العام للنزعة النقدية . كما أننا لن نصادف إلا المرجعية الكانطية ؛ و هي تلقي بظلالها الوارفة على كل مناحي التفكير الفلسفي المعاصر . أكثر من هذا نجد نفس الباحث المعاصر _"آلان رونو "_ لايرى أمتن وأروع من تقديم شهادة أحد المعاصرين لكانط أو بالأحرى أحد تلامذته _"غوتليب فيخته"_الذي عبر بطريقته الخاصة عن موقفه من _ "نقد ملكة الحكم"_.ففي سنة 1794 ، أي بعد آنقضاء أربعة سنوات على نشر العمل الأخير المكمل لثلاثية النقدية الشهيرة لكانط . وفي هذا السياق يقول " الآن رونو " عن مقدمة كتاب فيخته "حول مفهوم مذهب العلم " والذي يمكن أن نعتبره في الأصل بمتابة تكريم لشخص كانط في مقال أصيل . هكذا سيعبر فيخته عن قناعة في موقف صريح من فلسفة كانط مفاده : (أنه من الآستحالة بمكان ، تصور أي فهم بشري يمكن أن يتجاوز الحدود النظرية ، التي توقف عندها كانط ) . لاسيما ، ما جاء به في "نقد ملكة الحكم" ؛ والذي لم تتحدد إلينا معالمها بشكل دقيق ومفصل . اللهم تقديمه وكأنه الحد الأوحد للمعرفة المتناهية . ليضيف فيخته أن دور "نقد ملكة الحكم "لا يمكن أن يكون موضوع سؤال في مجال تأتيره الآيجابي على نمو وآزدهار مذهب العلم . ولهذا لم يثوان فيخته عن بذل المزيد من الجهد من أجل تفسير و تعميم المبادئ الكانطية ولذا كان يقول إذا ما وجدت الوقت و السكينة الضرورين ، لما كرست بقية حياتي لدراسة فلسفة كانط ) . و معلوم أن هذا الحدث قد صادف بالفعل سنة 1790 . فما الذي حدث لفيخته أمام تفاجئه بنشر كانط "نقد ملكة الحكم" ؟ إنه نوع من محاولة إظهار أهمية كانط بالنسبة لفيخته عند آطلاعه على "نقد ملكة الحكم " . فبموجب هذا العمل البديع سيكف فيخته عن التفسير السريع الذي شرع فيه آنطلاقا من "دراسة المنطق الترنسندتالي " المتصل بالنقد الأول " نقد العقل الخالص". مؤكدا على حقيقة مفاد مضمونها كالتالي : إذا كان كتاب "نقد العقل الخالص" رائعا فإن "نقد ملكة الحكم" هو الأكثر روعة على الآطلاق . وذلك من جهة آنتمائه إلى مهمة الفلاسفة الكبار . ومن جهة أخرى يكشف الجانب التكويني المتصل بفلسفته الخاصة .

وإذا كان قد مر قرنين من الزمن على قناعة فيخته الآشهادية . فهل ما زال هذا الموقف هو الذي يشكل قناعتنا اليوم ؟
لقد آثار كتاب "نقد ملكة الحكم" شهية الباحثين نحو مزيد من القراءة و التأويل . لما يطرحه المؤلف من قضايا مهمة لها علاقة بالتحديات التي يطرحها العمل بالوحدة الخارجية . ومعناه بعبارة أخرى ، ما هو الموقع الذي يحتله النقد الأخير بالنسبة لمجموع الفلسفة الترنسندتالية ؟ كذلك لن ننسى الأهمية القصوى "لنقد ملكة الحكم" التي سوف نلمس صداها في قضايا الفلسفة المعاصرة . بحيث ، أن الشراح والقراء قد أدوا فاتورة ثمن العمل من جهة عجزهم عن إغلاق السؤال الذي يخترقه ([2]) . وها هم يترصدون أثر السؤال الأساس الذي يخترق هذا العمل . إنه ذلك السؤال الذي يصعب إدراكه منذ الوهلة الأولى ، لأنه يتمفصل إلى أجزاء في مختلف المشكلات , التي تم تناولها بالترتيب , داخل عمل تشكل فيه الوحدة الداخلية حقيقة لاغبار عليها .

على العموم يمكن القول أن الفلسفة الكانطية تبقى فارضة لحضورها بآعتراف كبار الفلاسفة المعاصرين . وفي نظري المتواضع كما يقول"آلان رونو " لا أعتقد أن المعاصرين يمكنهم التفلسف أوالخوض في النقاش الفلسفي من دون التناول الرصين و التمرس الدقيق بالمتن الفلسفي الكانطي . ولن نجانب الصواب عندما نقول بأن كبار الفلاسفة الفرنسين ميشيل فوكو ؛ جيل دولوز و جاك دريدا) لهم شيوخ ألمان (كانط ؛ هيجل ؛ ماركس و نيتشه ) . ناهيك عن أطروحة كثيرا ما تتردد في الفكر الألماني : فلولا الفكر و المؤلفات الكانطية لما آنبتق ممثلوا الفلسفة المثالية الألمانية : (هيجل ؛ شيلينغ و فيخته) .

و لكي يكون دفاعنا عن راهنية الفلسفة الكانطية في الفكر الفلسفي المعاصر مسندوا بالحجج الدامغة . فإننا لن نجد غضاضة من العودة إلى العمل الرئيس لكانط "نقد العقل الخاص"([3]) من خلال قراءة في مقدمة الطبعة الأولى لنفس العمل . سنحاول الآطلاع جميعا على الملخص الأول لنقد العقل الخالص والذي له علاقة مباشرة بموضوعنا : إمكانية تعلم الفلسفة أو فعل التفلسف من خلال نظرية المنهج الترنسندتالي . لكن لابأس من الآطلاع على مضمون الطبعة الأولى . عاملين على تلخيصها بشكل مركز يسمح لنا على الأقل بالآطلاع على المشهد النقدي الرائع ؛ الذي يحيط بفلسفة كانط في كليتها .
و عليه فإن كانط يستهل مقدمة طبعته الأولى بتوضيح قضية أساس مضمونها التصوري كالتالي : إن العقل في مهمته المتصلة بتناول أنواع و أصناف المعرفة ، يجد نفسه في وضعية صعبة ومحيرة بفعل الأسئلة المسترسلة ، والتي غالبا ما لا يجد لها أجوبة شافية و نهائية . بيد أن آسترسال هاته الأسئلة لايصدر إلا عن طبيعته الخاصة . و من ثمة لن يجد هذا العقل الآنساني ما يقيده من تجاوز حدود التجربة ، التي غالبا ما تتصف بالضرورة والشمولية . وعليه فإن هذا العقل يستند في آستدلالاته الميتافيزيقية إلى المبادئ المتعالية عن تعاليم التجربة . و الحال هو أن هاته المبادئ المغالية في التجريد ، تجد بيئتها الملائمة في هوجائية المعرفة العامية الجاهزة ، و المفتقرة لأي أساس منطقي أو منهجي . إن هاته المعرفة العامية هي التي تمد مبادئ الميتافيزيقا بضروب من الغموض وأنواع اللبس . إنه الأمر الذي يستوجب منا في النهاية ضرورة الحذر من بعض الأخطاء المندسة في بعض أجزاء المعرفة ؛ والتي لا نستطيع الإمساك بها بسهولة . ولهذا السبب حمّل كانط طبيعة العقل[4] نفسها مسؤولية السقوط ، في كل مايتسبب في أنواع التردد والغموض . وعليه سيسمي كانط ساحة الشرف التي لا تنتهي فيها أوار الحرب الضروس بين أبطالها ، و الذين لم يستطع أحد منهم أن يفرض نفسه : نظريته ؛ موقفه أو دعوته . ضامنا لها صفة الصلاحية والآستمرارية .

إن ساحة الشرف التي تشكل مسرحا للصراع و التهافت إذن هي ما يسميه كانط _" الميتافزيقا "[5] _.
فالبرغم من كون هاته الأخيرة قد نالت لقب : " ملكة أو أم العلوم " فإن شرفية اللقب و المكانة المتقدمة تمتحهما من تفرد موضوعها . و لهذا لا يمكن إنكار عناصر جدة عصر كانط ومستجداته العلمية والفلسفية في إيقاظ العقل الآوربي من سباته الدوغمائي . إن هاته المستجدات هي التي سهلت عملية تعرض الميتافيزيقا في عصره إلى كل أنواع التحقير و الإدانة و الإهانة ؛ لسبب بسيط هو بساطة مفاهيمها . ولذلك فإن ما لحقها هو ما لحق ممثليها : الدغمائيون ( الديكارتيون و الشّكيون و على رأسهم هيوم) . ولئن أهينت هاته الأخيرة فإن السبب يكمن في آنتشار مستجد جديد آسمه "فيزيولوجية الفهم البشري"مع جون لوك المشهور بنقد للأفكار الفطرية التي قال بها ديكارت . إن مستجد الفهم آعتبر بمتابة فصل المقال في بين العلم و الميتافيزيقا من الآتصال . و في حضور هذا المستجد الفيزيلوجي الآنساني ؛ تم إغلاق كل معاقل السجالات الكبرى ؛ مع الحسم في مشروعية آدعاءات العقل بصفة نهائية . وعليه فإن دراسة فزيلوجية الفهم البشري ستشكل مدخلا حاسما في إمكانية التمكن من أسس العلم . مثل ما حدث مع نيوثن في نظرية الجاذبية . لقد لاحظ كانط على كل محاولات الضبط والتمكن من حصر أو تحديد فكرة العلم ، قد باءت بالفشل الذريع . بيد أن ثوق العقل الدائم الى الدعاوى الميتافيزقية ؛ قد شكل في نظره ليل العلم الرهيب العثمة . لكن ، لغة المدرسة الجديدة ستعمل على التقليص من هوجائيتها لدى عامة الناس .

من جهة أخرى سيختفي السجال العامي ، والذي سوف يؤدي إلى بزوغ فجر العلم بصيغة الجمع . و بالتالي فإن هذا النمو والآزدهار الذي تعرفه العلوم جعلنا ننفتح على عوالم جديدة من جهة شروط ومصادر المعرفة الآنسانية بصفة عامة . غير أنه يمكن إضافة شئ جديد إلى مستجد الفهم بآعتباره أساس العلم الحديث , ونقصد بذلك فعل الحكم [6]: ذلك الفعل العقلي الذي يسمح بآلحاق الصفة بالموضوع . إنه الحكم الذي ما فتئ يعبر عن قرن من النضج و الآثمار. إنه القرن المناهض لكل أشكال الوهم والزيف ، الذي يلف المظهر الخارجي للمعارف . وعليه سيتم الآحتجاج على العقل لمطالبته بإنشاء "محكمة العقل " بهدف الحصول على الضمانات الكافية في حالة السقوط في متاهات الدعاوى الميتافزيقية . وبالتالي لابد من أن نوجه المجهودات نحو القوانين الصلبة الغير القابلة للآهتزاز.إن هاته المحكمة " محكمة العقل " سنسميها في النهاية "نقد العقل الخالص" . غير أن هذا النقد لا يفيد عند كانط نقد الكتب والأنساق .و إنما نقدا يستهدف كل آدعاء للمعرفة .

والمقصود بذلك معرفة العقل بصفة عامة . لاسيما ، أثناء تناوله للمعارف الغير المشروطة أو المقيدة بحدود التجربة . فبعد النقد لا يمكن الحديث عن آستحالة أية ميتافيزيقا بصفة عامة ، لأن النقد ليس إلا علما أوليا ينظر في مصادر وحدود معرفة العقل فقط .

إن طريق النقد سيصبح هو طريق سير العلم الواثق , المؤدي إلى الطريق الملكي كما ورد ذلك في مقدمة الطبعة الثانية)[7]( لنقد العقل الخالص . لكن كانط لم يتوان عن تجسيد المشهد الدرامي لمأساة العقل الآنساني : الذي يجد نفسه عاجزا عن الإجابة على الأسئلة المحرجة , مادامت تحدوه رغبة آنسانية طبيعية و فضول جامح لمعرفة كل الأشياء . وأمام هذا الموقف الآنساني الحرج سيرتد كانط في آتجاه وحدة العقل البشري . ومعناه ؛ البحت في علاقة العقل بذاته أو فيما يسميه كانط " بالتفكير الخالص " . لأن هاته العلاقة ليست بدخيلة على العقل ، و إنما هي من صميميته الداخلية . بحيث من الطبيعي جدا أن نجد الذات الآنسانية نفسها قادرة على عد أفعال العقل بطريقة كاملة ونسقية .

إن الدرس الذي يمكن أن يفيدنا في إطار الحوار مع نقدية كانط :آستحالة أن تكون أوليات الحس المشترك واعدة . لسبب بسيط ألا وهو غياب أي آهتمام أو آطلاع على الشروط الماقبلية _( الفهم ومقولاته / العقل ومبادئه ) _ التي تسمح بقيام أية معرفة ممكنة . وعليه فإن الشئ المهم و المناقض للحس المشترك والمؤله للتجربة ؛ هو دراسة كل من العقل والفهم مستقلين عن تجربة هيوم بالمعنى الصريح .

هكذا لانجد خيرا من ملخص فيرديناند ألكيي[8] لكتاب نقد العقل الخالص لكانط . بهدف الآقتراب مما يساعدنا على الآمساك بإمكانية : تعلم الفلسفة أو التمكن من فعل التفلسف من خلال نظرية المنهج الترنسندتالي ؛ التي سنشرع في فحصها من خلال مقدمة ألكيي الملخصة لنقد العقل الخالص .

إن الموضوع الذي نبحت فيه بكل جدية ، هو معرفة الشروط والمبادئ التي تسمح بتعلم الفلسفة أو الآقدار على التفلسف في مشروع كانث الفلسفي والعلمي . و بالتالي فإن العودة الى مكتسبات كتاب نقد العقل الخالص ضرورة تعليمية ولابد من قراءة يقظة لمقدمة ملخصة لأحد الشراح الكبار لفلسفة كانط . وعليه فإن إن مقدمة ألكيي ستقصر علينا الطريق كما أنها ستسعفنا بآقتصادها الكبير للكتاب الأصيل "نقد العقل الخالص" . فمن الناحية المنهجية لا ينكرالباحت أهمية تتبع مسار التطور التكويني ، الذي خضع له كانط في مشروعه الفلسفي العام.إن محطة ما قبل النقد تعتبر في نظره تميزت بالعمق والمثانة . ولذلك لايعتبر أن مقدمة الطبعة الثانية لا تخرج كثيرعما رسم في مقدمة الطبعة الأولى ، من حيث التوجهات العامة و الآستراتيجية الخاصة بعمل النقد .

إن ما يمكن أن نستند عليه كأساس ومكتسب جديد في النقدية الكانطية . هو تأثير "الشئ في ذاته " ؛ و الذي أكد بصدده أنه حقيقة خارجية ؛ بمعنى أنه غير مكثرت بآلتزام حدود و تعاليم التجربة . و مع ذلك سيكون مثيرا للفكر والعقل معا . ذلك أنه سيتخد معنى " النومين "في فصل " تحليلات نقد العقل الخالص ". هكذا سينتهي الأمر بكانط الى الفكرة الترنسندتالية : فكرة المعرفة المشروطة التي تكفي بدورها في بناء التجربة كنسق . بيد أن ألكيي يقدم وجهة نظر ترى أن "كتاب العقل الخالص " يجب أن يقرأ في سياق الميتافيزيقا السابقة عليه . لاسيما و أن كانط سيجيب بطريقة وأسلوب جديدين عن السؤال الخالد والأبدي : ماذا يمكن أن أعرف؟ إذا يمكن أن نعبر عن ذلك بطريقة أخرى : كيف و بأية طريقة تستطيع معرفتي أن تقد الأشياء أو تحيط بها ؟ لقد جرت عادة التقليد الفلسفي على تقسيم "نقد العقل الخالص "إلى ثلاثة أقسام : الآستتيكا الترنسندتالي / التحليل الترنسندتالي /الجدل الترنسندتالي . والحال أننا نجد أن كانط يؤكد بكل وضوح في مقدمتيه ضرورة التمهيد لأسس هذا العمل الجبار بعدد من التحليلات و الآعتبارات المنهجية و التوجيهية . والتي تندرج في إطار الفصل المعنون "بالمنطق الترنسندتالي" . بيد أن هذا الفصل لايروم إلا نظرية الثقافة العامة أكثر من المنطق . و الواقع أن جديد نقد العقل الخالص هو تلك الفكرة التي دافع عنها كانط منذ بيان المقدمة الأولى . ألا وهي ضرورة توفر مصدرين لا غير في قيام أية معرفة شمولية و ضرورية . إن هذين المصدرين هما :الحساسية و الفهم . فالمصدر الأول سيعنى بالخاصية الآستقبالية ؛ والثانية تفيد العفوية والنشاط . ففي مقالات 1770 سيميز كانط بين الحساسية والصورة أي مادة الحساسية .أما الفهم فستكون له وظيفة منطقية وواقعية . الشئ الذي يجعل منه الملكة الوحيدة التي تسمح بقيام نموذج عقلاني للمعرفة . ولذلك لانجد أي تعريف للفهم ليومنا هذا غير الذي حدده له كانط : إنه نشاط أوفعالية تركيبية ، والذي يمكن تطبيقه على المتكاثر من المعطيات الحسية . وبالتالي ستكون مهمته الآنشغال فقط بمعالجة الظواهر . ذلك أنه يسمح برد كثرة معطيات الأعضاء الحاسة الى وحدة الأجناس . لكن ، إذا تم آستعماله خارج المعطيات الحسية فإنه يلعب دور الواهم . وقد يصبح الفهم مصدرا للوهم . ذلك أن المفاهيم المتصلة بهذا الآستعمال تؤثر على عمل العقل وتجعله بعيدا كل البعد عن حكامة الفهم . وعليه يقول ألكيي بأن ميتافيزيقا العقل الخالص تجد نفسها في قفص الآتهام ؛ مادامت المشكلات التي يطرحها الجدل الترنسندتالي ولاسيما أخطاء الميتافيزيقا الدّوغمائية التي تهم قضايا "الأنا , العالم و الله" ؛ لاتجد لها مكانا في دائرة الفهم . ومعنى ذلك أنها معرفة غير مشروطة بحدود التجربة . وعليه سيتجشم كانط تبرير عناصر المعرفة التي تم تحليلها قبل ذلك في الجدل الترنسندتالي . هكذا سنلاحظ أن كانط سيحتمي بما يسمى بعلم المنهج الخالص" قانونيته , هندسته المعمارية وتاريخه ". فالبرغم من الطبيعة المختزلة لهذا الفصل فإنه ينطوي على بذور تطوره المستقبلي . بحيث ، ينكشف فيه بكل وضوح مقاصده , أهدافه وأفقه . و لا سيما فكرة الفلسفة :آستعمالاتها , أقسامها , ماضيها ومستقبلها . وقد نجد في هذا الفصل الأصيل أيضا ما يوضح الأخلاق الكانطية لنصادف فيه القولة المشهورة لكانط فإما أن تسعفنا إمكانية الميتافيزيقا كعلم أو قاعدة للدين أو تتخذ المسافة لتبقى في مكانها الأول.

والحال . أنه عندما نريد تلخيص المشكلة الأساس الذي تناولته المقدمات و المدخل . نقر بأن العمل له علاقة مباشرة "بالمشكل النقدي"والذي يمكن أن نتتبع تطوريته : إذ يبدأ بالتساؤل حول إمكانية قيام التجربة . و بعد ذلك بحته حول أساس العلم ومصادر الوهم الميتافيزيقي . غير أننا لا يجب أن نستهين بسؤاله المركزي حول الكيفية التي تكون بها الأحكام التركيبية ممكنة ؟ وعليه فإن المنهج الذي سيعتمده كانط لن يكون آستدلاليا بالمعنى الرياضي . لأنه لايتناول أشياءا معروفة وإنما البنيات التركيبية أو ما يسميه ماركيوز[9]"الوعي الترنسندتالي" الذي يسمح بجعل المعرفة الآنسانية ممكنة . ولهذا فإن مفردة "النقد" ستأخذ معنى مخصوصا : سيكون معناه هو التعلق بضرورة فهم التجربة آنطلاقا من الشروط الترنسندتالية أو الأطر الماقبلية ؛ وبعد ذلك الحكم على قيمتها و آجرائيتها . في حين أن الآستتيكا الترنسندتالية فهي تتناول بالتحليل و الدراسة مفهوم الحدس المرادف للمفهومين غير التجربيين ؛ ونقصد إطاري الزمان والمكان بآعتبارهما شرطين ماقبلين للحساسية . وفي ذلك سيحدد نقد العقل الخالص المعنى الترنسندتالي للمكان والزمان . إلا أن ما يمكن ملاحظته هو أنه لم يكن عملا كافيا . لأنه أعطى آمتيازا للزمان أكثر من المكان التي توجد فيه الأشياء الخارجية . والتي من خلالها لايمكن "للأنا أفكر" الديكارتي إلا أن يظهر ملازما ومتعالقا معها.

وقد ترتب عن هذا الأمر الآعلان عن دحض المثالية الآحتمالية الأكثر إغراقا في الدوغمائية "ديكارت" . لتفسح المجال المناسب للمثالية الترنسندتالية :إنها فعل الأمثلة الترنسندتالية كما يعترف بذلك كانط لشرطي الزمان والمكان . إنها أمثلة تفرض وجودها مقابل الأشياء في ذاتها ؛ كما أنه لايقصي واقعيتها التجربية بأي حال من الأحوال .كما أن هاته الشروط الصورية الماقبلية ، تسكن كل شروط التجربة الممكنة . و لذلك فإن الأشياء لا يمكن أن تثيرنا إلا عبر هاته الأطر الماقبلية ؛ آخذين الحيطة والحذر بهدف إتباث تحقيق الأطر الماقبلية لوحدة المتكاثر و المختلف الحساسي . كما أن هاته الأخير تسمح فقط بما يسمح تحقيق هذه الوحدة .

أمابداية المنطق الترنسندتالي[10] ، فإنه سيثير مشكلة مبدأ الوحدة بين المصدرين "الحساسية و الفهم ". ولذلك فإن معرفة كيف يكون الواقع العلمي معطى ومفكرا فيه ؛ مادام الموضوع المحسوس والمتصور ليسا إلا شيئا واحدا . وفي النهاية لن نلفي إلآصفتي التكامل والضرورة لكل من ملكتي الحساسية و الفهم بهدف موضعة المعرفة ؛ أي جعل المعرفة تتضمن الموضوع . فالبرغم من كون الحساسية قد تم تعريفها من داخل الأطر الماقبلية ، فإنها لاتقدر على تركيب المعرفة . ومع ذلك فإن أهميتها تكمن في مدّنا بالعناصر المتتالية , المتجاورة أو المتقابلة ؛ مع أنها لا تحقق حصول مطلوب تركيب المجموع الموحد . فإذن ، لكي نتوصل إلى مجموع منظم لا بد من نشاط الفهم كفعالية آجرائية ضرورية لتوحيد المعرفة . و الحال ، أن المعرفة لا تتأتى له إلا بمشروعية المعطيات الحسية . هكذا نستخلص أن الدراسة المتصلة للملكتين ( الحساسية والفهم ) تتيح الفرصة لآنكشاف ماهية الواقع الذي نعني به الواقع العلمي .

على العموم يمكن القول بأن مشروع النقد قد ترسخ تصميمه ؛ ويمكن أن نعبر عنه بشكل موجز. : إنه مشكل البحت في البنية الماقبلية لفعل الموضعة . هاته البنية تتيح الفرصة للتركيب . ولذلك فالملكة التي تتصل برد الكثرة الى الوحدة نسميها "ملكة الحكم" . لكن ، هناك نقطة ضعف لاحظها المختصون على كانط وهي كالتالي : لقد آرتدّ كانط إلى جدول الأحكام لينزع منها المقولات ، و هي مستقلة عن الآستدلال الترنسندتالي الذي يتبعها بعد ذلك . كما أن المفهوم نفسه سيتجدد بفعل التحليل ؛ والذي بموجبه يصبح الوجود تاليا أوثانويا بالمقارنة مع العلاقة . وعليه فإن مهمة المفهوم إذن لن تصبح موضوعية إلا عندما تحقق فعل الربط , الفصل أو المقارنة . ولهذا فإن الجوهر الذي آتخذّ طابعا آنطولوجيا مع ديكارت و لايبنتز سيصير مع كانط مجرد مقولة مثل :السببية.

بواسطة "الآستدلال الترنسندتالي " يمكن أن نفسر كيف تفوض المقولات إلى الموضوعات والتي بواسطتها ندرك "الأنا ". إذ لاتفيد الأنا هنا الذات الواعية وهي منفصلة عن العالم . وبالتالي فإن كانط لا يتهاون في التحذير من أن الذات التي لا تريد إلا التفكير في ذاتها لايمكن لها ذلك إلا عن عمليات : الربط ,المقارنة والفصل . وفي الأخير يمكن القول بإن "الأنا الكانطي" ليس لا مفهوما ولاحدسا . وإنما فقط الصورة البسيطة للوعي . وهو الأمر المتأكد منه في معرض نقده للمثالية الذاتية . على أساس ، أن أي فعل يستهدف الربط لابد وأن يفترض الوحدة .

فلكي تترابط التمثلات يجب أن تنتمي إليا ، ومن تم يصبح الكوجيطو ذاتا لموضوعات . كما يصبح مصدرا للمقولات ومرجعا معياريا لتحديد قيمتها ؛ إنه مبدأ الوحدة الضروري إذن لفعل التعقل . إنه المستجد الذي يجعلنا أمام " الأنا المنطقي " . وفي خضم الأنا الكانطي وقد أصبح متصلا بالعالم ؛ تساءل كانط حول الكيفية التي يتشكل بها الموضوع المستجمع من طرف المفهوم. فما هي طبيعة هذا الفعل ؟ إنها فعالية المخيلة التي بواسطتها تشكل الصور المتلائمة مع المفهوم و سامحة فيها للحكم بأن يتعقل موضوع الحدس . وفي النهاية سيخلص كانط إلى مخططه المنهجي ؛ ذلك أنه سينتقل إلى الشروط الماقبلية بعد الآنتهاء من مفهوم الرسم . كما أنه على نفس الوثيرة سيصل إلى مبادئ الفهم الخالص: أي مبادئ الأحكام التحليلية والأحكام التركيبية . لينتهي به المسار إلى (بديهيات العقل / متشابه التجربة / تدخلات الآدراك على أساس أنه يحظى بأهمية قصوى لدى مسلمات الفكر التجربي بصفة عامة ) . و الواقع أن كانط قد كان متيقنا بشكل مسبق بفعل ثقته في مفهوم الوحدة ؛ من أن هاته المواد التجربية لا يمكن أن تصير جزءا من الطبيعة أو تندمج في الطبيعة على شكل ظواهر إلا عندما تخضع بصفة نهائية للمبادئ المحددة لصور العالم ، والتي يمكن أن تعطى للذهن البشري . وعليه فإن المبادئ ستحل محل المقولات وهي ما تسمى بتماثلات التجربة مجيبة عن مقولات العلاقة ، لاسيما الجوهر و السببية ثم الفعل المتبادل) [11]. وعلى العموم يمكن القول أنه من دون ترابط ضروري بين الإدراكات لايمكن للتجربة أن تصبح ممكنة .

هكذا شكل آنكشاف المظهر الترنسندتالي ، الم*** لمفاهيم العقل الخاص ملجأ آمنا للنقد الذي يقدم الوسائل المنهجية عندما نريد أن نفكر في كائنات مثل " الأنا ,العالم و الله " ؛ ذلك أن هاته الأخيرة تفرض ذاتها من جهة الأهمية و الأحقية بالنسبة للأخلاق العملية . ولن نخسر شيئا إذن ما دلتنا أفكار العقل على الطريق ؛ الذي من خلاله يمكن أن نرد موضوعات التجربة إلى أكبر وحدة ممكنة .

أما فيما يتصل بالتناول الكانطي للميتافزيقا ، فإنه لم يعر الميتافزيقا السابقة عليه أي آهتمام . بل آكتفى فقط بالهواجس المحركة للفلاسفة السابقين عليه ، رافضا جملة وتفصيلا صور أنواع التعقل الثلاثة (السايكلوجيا العقلانية / الكسمولوجيا العقلانية والتيولوجيا الترنسندتالية) .

السايكلوجيا العقلانية : إن ذلك النوع من التعقل الذي يختص به الآستدلال الترنسندتالي . بحيث ، أن هذا التعقل يدعي ومن دون توجس معرفة الروح آنطلاقا من مفهوم الأنا . بيد أن هذا الأنا لا يعطى إلا على شكل وحدة للتمثلاث . و بالتالي سيرفض كانط " الأنا أفكر ". وبعد ذلك سيدحض وضعية لايبنيتز التي تقر بالأنا جوهر أو ما شابه ذلك ؛ و محاولا الحسم مع المادية و المشاكل المترتبة عن صعوبة إيجاد التفسير النهائي لعلاقات التبادل بين الروح والجسد . وهي النقطة المهة والجادة ، من حيث أن كانط سيعترف بوضعية الإنسان الدرامية أمام عجزه المطلق عن معرفة نفسه ووجوده .
الكسمولوجيا العقلانية : من جهة أخرى ، لم يقبل كانط كذلك دعاوى الروحانية الدوغمائية للميتافزيقا . وهو موقف سيضطره إلى التبرير بدل الرفض المجاني لهاته الدعاوى ؛ ذلك أنه سيقف ندا قويا لدعاوي العلم الذي يريد أن يحتل مكان الأنطولوجيا المقدسة ؛ لتتحول هاته الأخيرة إلى نظرية في الواقع ؛ وهو أمر لايتعارض حتما مع تسليط الضوء على تعقل ما . فمن الوجيه جدا أن يثير كانط المفارقة التالية بهذا الشأن كالتالي :إن ميتافزيقا الطبيعة تضفي على النظريات طبيعة الروح والمتناقضات الكبرى ؛ ولذلك سيرفض التعقلات التي تدعي رأب صدع يقين طبيعة ، الله والروح . وعليه سيعتبر أن هاته الأخيرة مجرد موضوعات للإيمان داحضا عالم العلم بشكل نهائي وكأنه شئ في ذاته .

التيولوجيا الترنسندتالية : ولنتذكر جميعا أن كانط سبق وأن آطلع بمهمة التفكير مبكرا في المتناقضات المرادفة للنومين أو(الشئ في ذاته).ذلك أنه في 18 سبتمبر1798 قد راسل كتابيا " غريف "حول الصراع المرير بين الميتافيزيقين حول دعاوى لا أساس لها من شروط المعرفة المنظمة . إنه الصراع الذي أيقظه من سباته الدوغمائي . و الحال أن ما آعتقد كانط آكتشافه "المتناقضات" ليس هو الأمر الذي يستحق الآهتمام وإنما الحل المناسب للخروج من المأزق ، أي إنهاء المشكل بصفة نهائية . والواقع أنه حل كثيرا ما آنتظره ؛ لأنه لا يكون ممكنا إلا عندما نعترف بأن مصدر المتناقضات ليس هو الأشياء الخارجية ، و إنما الصراع الداخلي المتصل بعالم الذهن البشري . إنها أنواع الصراع أوالتناقضات التي تقف عائقا أمام العقل الذي يفترض توفر اللامشروط و الفهم اللذان يسمحان بالربط بشكل لانهائي المعطى المتاح .
----------------------
[1] alain renau_introduction kant critique de le faculté de juger .
[2] ibid p 9
[3] E.KANT _critique de la raison pure _ pré 1er édition _tra collective sous la direction de ferdinand alquiet .édi .follio essais .p .31
[4] ibid
[5] ibid.p.32
8Ibid .p.34.
[7] Ibid. _préface 2em édition .p.40.
[8] E.KANT _ Introduction de ferdinand alquié _op.cité _p.13.
[9] هربرت ماركيوز العقل و الثورة _ مدخل خاص بميلاد الجدل _ ترجمة فؤاد زكريا
[10] Ibid .p.16
[11] Ibid.p.20.

المصدر : بقلم مصطفى قاديري [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

hamza_fes

عدد المساهمات : 1
تاريخ التسجيل : 04/12/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

remerciement

مُساهمة  إيمانويل كانط في الثلاثاء ديسمبر 08, 2009 1:51 pm

merci de nous permettre d'avoir cet article

إيمانويل كانط

عدد المساهمات : 35
تاريخ التسجيل : 02/12/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

شكرا

مُساهمة  المؤسس في الثلاثاء ديسمبر 08, 2009 2:28 pm

موضوع شيق و مهم و جاء في توقيت مناسب خصوصا و أنه يتزامن مع بعض الدروس في استكمال التكوين نتمنى منك المزيد...

المؤسس
Admin

عدد المساهمات : 37
تاريخ التسجيل : 01/12/2009
العمر : 38

http://philofes.forumarabia.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

شكر

مُساهمة  hager el fezazi في السبت ديسمبر 19, 2009 2:49 pm

شكرا على هذا الموضوع المهم الذي سنحتاجه في عملية تهيئة الدروس
avatar
hager el fezazi

عدد المساهمات : 102
تاريخ التسجيل : 06/12/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى