الابستيمولوجيا والمنطق ، مدخل لفلسفة هوسرل.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الابستيمولوجيا والمنطق ، مدخل لفلسفة هوسرل.

مُساهمة  مارتن هيدغر في الجمعة ديسمبر 25, 2009 4:16 am

الفلسفة المعاصرة مراجعة للفلسفة الحديثة، لذلك عندما أراد هوسرل تأسيس الفلسفة كعلم صارم ودقيق ، كان عليه أن يعيد النظر في فلسفة ديكارت ؛ باعتبارها بؤرة التوتر في الفلسفة الحديثة . لكن هوسرل في نقده لديكارت وحتى للتجربيين لا يبدأ من البداية ، بل يستعين ب" إمانويل كانط" كسلم من أجل تجاوز الأنا الديكارتية، التي تلغي العالم تحت وطأة إنيتها ؛ الشيء الذي ولد تطرف التجربيين ، ليعتبروا اللاوجود إلا للعالم الخارجي ، وأن العقل صفحة بيضاء . جاء كانط ليقيم موقفا توليفيا أصيلا وليس تلفيقي أو توقيفي . لذلك يظل كانط أقرب الفلاسفة إلى الفينومينولوجيا لأنه أنصف الذات والعالم معا . فالمعرفة لا تحقق إلا بهما. فإذا كان كانط يقول أن المقولات الفارغة جوفاء ، فإن هوسرل ظل .يعتبر أن الوعي هو وعي بشيء ما ؛ بل ، إن التعريف الذي يقدمه هوسرل للفينومينولوجيا باعتبارها علم لظهور الموضوعات ، هو أقرب إلى الكانطية الجديدة . لكن ، هوسرل سرعان ما يلقي بالسلم الكانطي بعدما صعد عليه ، لأن بين هوسرل وكانط خلاف حول مسألة الذات ودورها في التأسيس . هذا الخلاف هو الذي يحرك النقد الهوسرلي سواء بوعي أو بدون وعي مع أهم الفلاسفة قبل كانط : ديكارت ، ليبنتز سبينوزا . المدهش في الأمر أن هذا الخلاف سيستمر حتى داخل الفلسفة المعاصرة عموما والفينومينولوجيا خصوصا ، وسنوضح ذلك بالتميز بين فينومينولوجيا هوسرل عن فينومينولوجيا سارتر وبالأخص هيدغر .




وصل الصراع في عصر هوسرل إلى أزمة خانقة بين التصورات المثالية والواقعية ؛ لذلك رفع هوسرل شعار لا للمثالية ولا للواقعية ، بل إلى الأشياء ذاتها. لا حقيقة إلا ما تقدمه الموضوعات قي عطاءاتها الأصلية ، فلا يمكن أن نتوجه إلى العالم بمقولات وتصورات ذهنية قبلية، صحيح أن الأنا الهسرلية سابقة على العالم ، لكنها أنا محضة فارغة لا تحتوي على مقولات فطرية ، هذه الأخيرة توجد في العالم والموضوعات وليس في الفهم كما عند كانط . لذلك فالحدس الهسرلي الذي يدرك العالم ليس هو الحدس الكانطي ؛ فالأول خالص والثاني حسي .
إذن ، يمكن القول أن هوسرل أنصف الموضوعات ، لأن الكانطية تعطي كل الصلاحيات للعقل . لذا يقول كانط أن العقل لا يعرف من العالم إلا ما يصنعه بيديه ، والعقل لا يدرك إلا الظواهر ؛ أي الفينومين وليس الشيء في ذاته النومين ؛ لذا سؤال كانط ؛لم يكن حول الماهية المطلقة
التي يبحث عنها هوسرل ، بل عن ممكن المعرفة في إطار حدود العقل.

لكن بالرغم من أن الحدس الهوسرلي خالص لإدراكه الماهيات ، فهذا لا يحتاج إلى مجهود سحري أو خارق ؛ لأن غرض الفينومينولوجيا ، الموضوعات بشحمها ولحمها ، أي كيفيات انعطاء الموضوعات في العالم ، التي تقوم الفينومينولوجيا بوصفها . كلمة الوصف ، تظهر الذات الترسندتالية عاجزة عند هوسرل لأنها تكتفي بالوصف . وهذا ما يتناقض مع الوظيفة التأسيسية التي يعطيها هوسرل للذات . فما السبيل لإزالة هذا التناقض الظاهري ؟ وإلى أي حد سيبتعد عن الذات الديكارتية و الكانطية؟.
إن هوسرل لم يقبل الذات الديكارتية ، لأنها تبحث عن ذاتها في الموضوعات ، وليس عن الموضوعات ؛ فقطعة الشمع التي جاءت في مثال ديكارت ، أصبح جوهرها الامتداد . وبالتالي حول ديكارت العالم إلى خصائص رياضية هندسية لأن ديكارت وجد صعوبة إن لم نقل عجز عن الخروج إلى العالم ، ومكث به طويلا في كتاب التأملات ، على خلاف هوسرل الذي جاء بمفهوم القصدية ، بعدما طهره من دلالته النفسية التي ألحقها به برانتانو ، هذا المفهوم هو الذي يضمن خروج الذات إلى العالم ، دون الذوبان فيه ، ودون السيطرة عليه. فالذات ترجع إلى الأشياء، بل هي مرتبطة بهذه الأشياء. لذلك يقول هوسرل"كل وعي هو وعي بشيء ما "؛ قد تبدو هذه العبارة الشهيرة لهوسرل تقصي دور الذات في عملية التأسيس . لكن هذا ليس صحيح ، فالذات الهسرلية هي التي تأسس للماهيات ، فعندما وضع هوسرل العالم بين قوسين أي "الإبوخي" لم يشك في وجود العالم كما عند ديكارت ، لكنه اتخذ موقفا محايدا اتجاه العالم . كما أن عملية الإبوخي الهسرلية –وهذا ما يهمنا –تطال العالم وكل شيء بما في ذلك الإله ، باستثناء الأنا المحضة العارفة للعالم . فالذات الهسرلية تصمد في وجه الإيبوخي، لكي تنطلق من المعطى الخاص إلى المعطى العام ، وذلك لا يتم إلا بإحالة العطاءات غير الأصلية للموضوعات إلى عطاءات أصلية .لتصبح الذات مسؤلة أمام العالم لإدراك الحقيقة وتأسيس الماهية ، ليس بالمعنى الأفلاطوني ، لكن الماهية التي تنطلق من الخاص إلى العام ،أما الذات الكانطية فهي تقوم بالربط ، وتوحيد المتباين الحسي فقط .

هكذا يمكن القول : أن فلسفة الذاتية اكتملت مع هوسرل عند تأسيسه للفينومينولوجيا ، لكن هذه الخلاصة تطرح أكتر من سؤال ؛ لأننا نعلم أن هيدغر يعتبر اكتمال الذات المؤسسة للعالم كان مع نيتشه وليس مع هوسرل ، كما نعلم أن هذا الأخير ، ينتقد فلسفة الذاتية أشد انتقاد ، ويرفض رفضا قاطعا ربطها بالتأسيس، وبالتالي بالإنسان .

يأخذ هيدغر نظرية هوسرل التي تقول : "الوعي هو وعي بشيء ما" .ويعتبر الإنسان موجود في العالم ، هذا الوجود يثير فيه الشعور بالقلق ؛ لأنه يتحمل عبء الوجود ، هذا يعني أن فلسفة هيدغر تنحدر من فلسفة هوسرل ، لأنه سبق لهيدغر أن طبق المنهج الفينومينولوجي من مجال الإدراك إلى مجال الوجود . إلا أن مشكلة هوسرل حسب هيدغر ، أنه فضل البقاء في مجال إشكالية الذاتية المتعالية ، بل إنه مكن فلسفة الذات من أن تصبح مشروعة وتكتسب بعدا كليا أصيلا. وبذلك يكون هوسرل قد قرر عن رؤية ووعي أن يواصل التقليد الفلسفي للأزمنة الحديثة.
بينما هيدغر يريد أن يقطع مع إشكالية الذاتية والنزعة الإنسانية ، لأن الاهتمام الأول لفلسفة هيدغر هو الوجود ، وليس الإنسان .

مارتن هيدغر

عدد المساهمات : 1
تاريخ التسجيل : 06/12/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

شكر وامتنان

مُساهمة  إيمانويل كانط في الجمعة ديسمبر 25, 2009 11:10 am

شكرا لك أخي مارتن على هذا المدخل القيم نحو الفينمنولوجيا
ننتظر مزيدا من العطاءات الفكرية من جانبك لإغناء المنتدى حتى يستفيد من ذلك باقي الطلبة.

إيمانويل كانط

عدد المساهمات : 35
تاريخ التسجيل : 02/12/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هوسرل

مُساهمة  المؤسس في الجمعة ديسمبر 25, 2009 1:59 pm

اهتم هوسرل بالعلاقة بين المنطق و الرياضيات و هذا راجع لتكوينه الرياضي، و منه إلى قراءة ديكارت في محاولة لإعادة تأسيس العلوم على أساس تجربة لا تقبل الرفض و تعميم هذه النتائج حتى يتمكن من نقلها إلى الفلسفة لتصبح صارمة بقدر العلوم، لذلك انتقلت الفلسفة مع هوسرل من الموضوعية إلى الذاتية الترنسندنتالية.
أحد أبرز البنيات الفينومينولوجية نجد القصدية، أخذها هوسرل عن فرنز برنتانو الذي يعني توجه الوعي نحو الموضوع، فالقصدية هي أن تكون : "واع بـ... " . ليس للوعي نفس نمط وجود الأشياء المادية بحيث يمكن اعتباره علبة مليئة بالصور و الإدراكات ... بل هو إشارة تعطي المعنى للأشياء.
من هنا التساؤل التالي: كيف يمكن التعويل على هذه التجربة الفردية الخاصة؟ كيف يمكن استخلاص الكوني من الخاص؟
هدف هوسرل هو البحث عن حقيقة لا تقبل الشك و الانتقاد و ذلك عن طريق تأمله في العلوم، حيث و جدها وضعية و متحققة طبيعيا ( الوضعية الطبيعية )، لم ينف هوسرل أسبقية العالم في كل اثبات علمي حول هذا العالم، و لكن هل يكفي هذا السبق ليجعل من وجود العالم مجقق؟
للخروج من هذا التناقض، قدم هوسرل مفهوم Epoché و الذي أخذه عن الشكيين بمعنى تعليق الأحكام و الاراء و المعتقدات و كل ما لا يفبل الخضوع للتجربة و وضعها بين قوسين، و ينتقل إلى الكوجيتو الديكارتي ليتطرف فيه ليس باعتباره القضية الأولى و لكن أساس كل القضايا. هذا الكوجيتو الأخير هو الأنا الترنسندنتالية.و التي كشف عنها الإختزال الفينومينولوجي و المتميزة عن الأنا السيكولوجية.
القبول بالكوجيتو ( المختلف عن الكوجيتو الديكارتي ) كقاعدة مطلقة جعل دراسة الوعي في قلب الاهتمامات الفينومينولوجية. الفينومينولوجيا هي دراسة الظواهر كما تبدو للوعي، و لجعل هذا ممكنا يجب الرجوع للأشياء نفسها و وصفها. المعرفة الحقيقية هي معرفة الجواهر أي ما يظل ثابتا وراء التغيرات و لا يمكن إدراك هذا الشيء في كليته إلا بتوليف و تركيب كل الأفكار الواردة عن الشيء ثم على الوعي فهم و ادراك الماهيات.

المؤسس
Admin

عدد المساهمات : 37
تاريخ التسجيل : 01/12/2009
العمر : 38

http://philofes.forumarabia.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى