الشخص 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الشخص 2

مُساهمة  hager el fezazi في الخميس مارس 18, 2010 1:54 pm

الوضع البشري هو مجموع الشروط القبلية الكلية التي تحدد وجود الإنسان وتجعل منه شخصا وليس شيئا من جهة ، وتفرض عليه التعايش مع الغير من جهة أخرى ، و يتميز هذا الوضع بالتعقيد والغموض . فما الشخص ؟ وما الغير ؟

فما الشخص ؟ وأين تكمن هويته ؟ وما الذي يحدد قيمته ؟ وهل هو كائن يخضع لضرورات أم أنه شخص يمارس حرياته ؟



يؤكد الفيلسوف الفرنسي باسكال ( 1623-1662) أن تعريف الشخص ليس مسألة بديهية كما يتبادر إلى الذهن ، وإنما هو مفهوم إشكالي . وليس الشخص فكرة مجردة بل هو هذا الكائن الواقعي الحي الموجود في هذا العالم . ولا تقال لفظة شخص إلا على الإنسان وحده دون غيره من الكائنات التي تؤثث معه هذا الوجود . والإنسان شخص ويتمتع بعدة شخصيات ، واللفظتان معا مشتقتان من جذر واحد وهو كلمة personne : التي تشير إلى القناع الذي يضعه الممثل المسرحي ليتناسب مظهره مع دوره فوق الخشبة . وتتعدد الشخصيات بتعدد الأدوار ، ويظل الشخص واحدا . فالشخصية موضوع العلوم الإنسانية ويقصد بها مجموع الخصائص التي تميز الفرد في كل مرحلة من مراحل حياته. وإذا كانت الشخصية متغيرة مع الزمن ، فان الشخص هو موضوع التأملات الفلسفية وهو جوهر الإنسان الدائم . ويقصد بالشخص هذا الفرد الواقعي الواعي ، الحر، المسئول أخلاقيا وقانونيا عما يصدر عنه من تصرفات ، يمتلك إرادة و استقلالا ذاتيا و طموحات ، ويتميز بالقدرة على التعالي بذاته و تجاوز وضعه و ظروفه ، يستحق الاحترام والتقدير و لا يجوز معاملته معاملة الأشياء لأنه غاية في ذاته ؛ له حقوق يجب عليه صيانتها وواجبات عليه القيام بها . وأن يكون الإنسان شخصا هو إن يكون متميزا عن غيره أي له هوية ، فأين تكمن هوية الشخص ؟

1) الشخص و الهوية

الهوية هي ما يكون أو يظل به الشخص هو هو ، متطابقا مع نفسه ، متميزا و مستقلا عن غيره و واحدا في ذاته . ويطابق باسكال (1623_1662) بين الشخص و الأنا ، ويرى أن الأنا له صفات وهو مصدر أفعاله ، وليس الأنا هو الأفعال والصفات ، إذ إن الصفات والأفعال متعددة، متغيرة ، زائلة و قد تكون مُتَصَنَّعَة ، على حين أن الأنا واحدة تمثل حقيقة الإنسان وجوهره . وعليه فهوية الإنسان ليست في أفعاله وصفاته ، وإنما في جوهره الذي هو الأنا أي تلك اللفظة التي ينطق بها ويؤكد بها وجوده و يتبث بها تميزه ويعبر بها عن استقلاله . إنه حامل الصفات و مصدر الأفعال دون أن يكون هو هي و لا هي هو ، فزوال الصفات وتغير الأفعال لا يؤدي إلى فناء الذات .

أما جون لوك الفيلسوف الإنجليزي التجريبي (1632_1704) فيعرف الشخص بأنه الكائن العاقل القادر على تعقل الأشياء و تأمل ذاته. و يحدد هوية الشخص لامن خلال جوهره ، وإنما من خلال شعوره بما يصدر عنه من أفعال ، فهو إذن يستدل على هوية الشخص من خلال أفعاله الفكرية . فالشعور عنده هو أساس العمليات الفكرية، وأنه لاينفصل عنها وملازم لها ، و ليس الشخص كائنا مفكرا إلا لأنه يشعر أنه يفكر ، و أنه لا يُتَصَوَّر عمل فكري في غياب الشعور . و لذلك فإن الشعور ضروري و أساسي للفكر ، يصاحب على الدوام العمليات الفكرية . والذاكرة كفعل شعوري هي القدرة على استرجاع العمليات الفكرية الماضية التي يكتشف بها الإنسان أنه اليوم هو نفس الشخص البارحة رغم تغير أفعاله وأحواله و ظروف حياته .

على خلاف ذلك يرجع الفيلسوف الألماني شوبنهاور (1788-1860) هوية الشخص للإرادة لا للشعور لأنها منبع و مصدر كل الأفعال و سابقة على كل شيء. والشعور تابع بل مشروط للأفعال، والفعل متناه والإرادة لامتناهية وأن الشعور يتعب ويغفو بل ويتعرض للفقدان و يتغير بتغير الأفعال ، وهو كالذاكرة يبتلعه النسيان و يتعرض للزوال كليا أو جزئيا نتيجة تقدم العمر أو المرض أو العياء أو إصابة في الدماغ أو الحمق.. . والشخص لا يفعل بالشعور ، فالشعور ذاته يحتاج إلى إرادة ، لأنه أداة من أدواتها لا يشتغل إلا بها ، فهوية الشخص إذا هي إرادته . والإرادة جوهر الشخص و نواة وجوده ، والقوة التي بها يفعل ، والتي بها يضمن حياته وبقاءه . يقول شوبنهاور " إن الإرادة تسبق كل شيء ."

إن الإرادة والشعور كلاهما يمثل هوية الشخص ، فهوية الشخص مركبة من إرادة هي مصدر الأفعال ، وشعور هو وسيلة الإدراك والنمو . والشخص ليس فاعلا بدون إرادة ولا هو عارف ومجدد بدون شعور. إن هوية الشخص تتوقف على الإرادة و تشترط الشعور .

2) الشخص قيمة

ويستمد الشخص قيمته من هويته ، ويقصد بالقيمة ما به يحظى الشخص بالاحترام والتقدير، وليس الشخص قيمة فقط بل هو قيمة القيم إن لم يكن هو مصدر القيم . ويبرهن الفيلسوف الألماني كانط (1724-1804) على قيمة الشخص من خلال مقابلته الشخص بالأشياء . فكانط يميز بين نوعين من الموجودات : الشخص والشيء . والشيء مجرد وسيلة يمكن استعمالها و استبدالها حسب الأهواء والميول لإشباع الحاجات . فقيمة الشيء إذن راجعة إلى استعماله و استغلاله لا إلى ذاته، وهي بذلك قيمة نسبية مشروطة بالميول و الحاجات . وأن قيمة الأشياء كمية إذ تقدر بسعر(ثمن) . فالأشياء تعامل وفق المصالح والحاجات ، أما الأشخاص فالواجب التعامل معهم بحسب ما تفرضه الأخلاق، فالشخص قيمة أخلاقية مطلقة لأنه إنسان يمتلك العقل والإرادة ويحظى بالحرية ، والواجب الأخلاقي يحتم معاملته كغاية في ذاته واحترامه كقيمة مطلقة ما دام إن الانسانية تجتمع في كل شخص، و أن احترام الشخص هو احترام للإنسانية جمعاء .

أما الفيلسوف الفرنسي المعاصر جورج غوسدروف (1912-2000) فيري أن قيمة الشخص في كماله وسموه الأخلاقيين . و ليس الشخص كاملا في ذاته وإنما كماله بما يحققه في حياته الاجتماعية بما يبذله من جهد تضامني يكون به في خدمة أفراد الجماعة . فالشخص في ذاته وهم ؛ أما الشخصُ حقيقة فهو الذي ينتمي لجماعة يكتسب قيمها ويسعى لتطبيقها باحترام و يعمل على إسعاد غيره وإسعاد ذاته . وبذلك يكون كمال الشخص ليس نقطة بداية بل نقطة وصول ؛ وقيمة الشخص هنا ليست ممنوحة له مجانا من قبل غيره ، وإنما هي قيمة يكتسبها بجهود تضامنية يتجاوز بها أنانيته وعزلته . فالشخص إذا ليس قيمة في ذاته و إنما بمساهمته الخيرة في الحياة الاجتماعية .

3) الشخص بين الحرية و الضرورة

انتماء الشخص للوضع البشري يجعله كائنا خاضعا لضرورات ومحكوم بحتميات . فما هي هذه الضرورات التي يخضع لها الشخص ؟ وهل هاته الضرورات تنفي حريته ؟ فما الضرورة ؟ وما الحرية ؟ وهل الضرورة إلغاء للضرورة ؟ وهل الحرية تجاهل للضرورة ؟ أليست الضرورة تنظيما للحريات؟ أوليست الحريات تجديد وتغيير للشروط الضرورية ؟

ترى العلوم الإنسانية أن الشخص كائن مثل غيره من الكائنات الطبيعية محكوم بعوامل مادية تشرط جميع تصرفاته . وأهم هذه النظريات : السلوكية، التحليل النفسي وعلم الاجتماع . ترى السلوكية أن الشخص كائن له جهاز عصبي تصدر عنه استجاباتٌ نتيجة مؤثرات خارجية. فالمؤثرات هي عوامل تشرط كل سلوكاته ، وكلما توفرت تلك المؤثرات لزمت عنها نفس الاستجابات بحيث يمكن التنبؤ بسلوكات الشخص والتحكم فيه . وعليه فالشخص آلة مبرمجة بنظام بيولوجي ، ويمكن توجيهه و التحكم فيه .

أما التحليل النفسي لفرويد ، وان اختلف مجال بحثه ، فانه يؤكد أن الشخص جهاز نفسي يتألف من 3 قطاعات هي : الهو، الأنا والأنا الأعلى . تشير الهو إلى القوة النفسية اللاشعورية المتحكمة في كل السلوكات الواعية و الموجّْهة لها. و الأنا تمثل مجموع العمليات العقلية و الإرادية الواعية التي تجد أساسها في الهو. أما الأنا الأعلى فيمثل سلطة و قيم المجتمع الدينية و الأخلاقية التي تعمل كمستشار أخلاقي للأنا . إذا فالأنا لا يتصرف بحرية و إنما تحت ضغط عوامل خارجة عن إرادته و وعيه هي عوامل نفسية لاشعورية.

وتتصور السوسيولوجيا الشخص كائنا اجتماعيا لا حياة له إلا في مجتمع . و يعمل المجتمع عن طريق مؤسساته التربوية على تنشئة الأشخاص بزرع قيمه الثقافية فيهم بحيث أن كل الشخص لا يتصرف إلا وفق إرادة المجتمع ، فهو لا يتكلم ولا يفكر ولا يرغب ولا يلعب و لا يحلم ولا يتعبد إلا وفق ما يلزمه به النظام الثقافي لمجتمعه .

وإذا كانت النظريات العلمية بمختلف وجهات نظرها تصورت الشخص كائنا خاضعا لضرورات بيولوجية ونفسية واجتماعية ، فان الفلسفة الوجودية كما يمثلها الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر(1905-1980) يبين أن الشخص مشروع أي كائن يختار مستقبله بوعي ويعمل على صنعه بحرية . فالشخص ليس هو الكائن وإنما هو ما سيكون في المستقبل . فالإنسان " يصير شخصاً " بما يختاره بوعي وبما يقوم به من أنشطة قصدية . ويختلف الإنسان عن الأشياء في كونه موجودا لذاته إذ يصنع ماهيته بحرية . يقول سارتر : " إن الإنسان لا يأتي إلى الوجود كموضوع في زمان ومكان بل كنشاط مستمر للحرية ". فالشخص ليس سجين الوضع لأنه حقل من الإمكانات يختار إحداها بشكل ذاتي ويعمل على تحقيقها للمستقبل . انه لا يستسلم للشروط ولا يتركها تتحكم فيه بل يسعى للتحكم فيها لبناء ذاته بالتعالي عليها وفق مشروع من اختياره وعمله . فالشخص إذا ليس محكوما بماضيه ، و إنما رهين مستقبله . ولو كان مقيدا بالماضي لما كان بإمكانه اختيار مستقبله ، وهو إذ يختار ما سيكونه فإنه يعدم ماضيه و يتجاوز وضعيته .

أما المفكر المغربي وصاحب نظرية الشخصانية الإسلامية محمد عزيز الحبابي (1922-1993) فيعتبر أن الإنسان كائن وشخص ، كائن يخضع لضرورات ، وشخص يمارس حريات. فهو لايمارس حريته إلا في الظروف التي يحيى فيها . فهو من جهة كائن يخضع لشروط بيولوجية واجتماعية وتاريخية ، لكنه في نفس الوقت شخص له نواياه أي مقاصده التي تجعل أفعاله أفعالا قصدية وليست آلية ، تسمح له بتفهم الوضع الذي يعيش فيه وتمكنه من اختيار الوسائل الملائمة للعمل لتغيير شروط وضعه وتجديد بناء ذاته. وهو بذلك يتجاوز مستوى إشباع الحاجات الفردية إلى تحقيق القيم الإنسانية السامية التي يلتزم بها أمام نفسه والمجتمع . إن الشخص إذن كائن حر في ظل شروط يتفاعل معها ، الأمر الذي يجعل الحرية فعلا وليس صفة ، فعلا يتشخصن به ويحقق به كماله العقلي والنفسي والاجتماعي والأخلاقي . انه حر في ظروف ، وحريته تعني قدرته على تحويل الظروف من عوامل تتحكم فيه وتوجهه إلى إمكانات يتحكم فيها وبها لبناء ذاته وتجديد شروط حياته . فللضرورة حُكْمُها و للحرية قرارها . و الشخص في النهاية تركيب معقد من الحرية و الضرورة .



.
avatar
hager el fezazi

عدد المساهمات : 102
تاريخ التسجيل : 06/12/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى