المعرفة النظرية و التجربة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

المعرفة النظرية و التجربة

مُساهمة  hager el fezazi في الخميس مارس 18, 2010 2:09 pm

الإنسان كائن يتطلع باستمرار لمعرفة ذاته و محيطه . وتشترط المعرفة كنشاط إنساني أمرين اثنين : ذاتا و موضوعا ، ذاتا تسعى للمعرفة و موضوعا يراد معرفته . والمعرفة هي ذلك الجهد الذي تبذله الذات لتكوين أفكار و معلومات ومفاهيم ونظريات حول موضوع معين . ولقد استطاع الإنسان أن يبلور معرفة علمية تجاوز بها المعرفة العامية . فالمعرفة العامية تهتم بالأشياء لا بحقائقها ، ولذلك فهي معرفة ذاتية حسية جزئية اختزالية سطحية تلقائية عفوية عشوائية ومتسرعة . أما المعرفة العلمية فبحث متواصل عن حقائق الأشياء و القوانين التي تحكمها ، و أنها معرفة موضوعية منهجية مجهزة تصوغ نتائجها في قوانين كَمِّيَة ، و تُقدم ذاتها على شكل نظريات . وليس العلم سوى نظرياته ، وما تاريخ العلوم إلا تاريخ تجدد نظرياته . ولأن النظرية هي أساس العلم ، فإنها تطرح في مجال العلوم الفيزيائية إشكالية يمكن صياغتها في التساؤلات التالية : ما النظرية ؟ وما منبعها ؟ و ما دور كل من العقل و التجربة في بناء النظرية العلمية ؟ وما هي معايير علمية النظريات؟



النظرية عموما نسق منطقي من الأفكار حول موضوع معين ؛ و بصفة خاصة هي بناء فرضي -استنباطي أي أنها تنظيم منطقي من المفاهيم و الأفكار و القوانين ، أساسه الفرضيات ، و منهجه الاستنباط و نتائجه القوانين .

التجربة و التجريب :

تذهب الفلسفات التجريبية إلى أن مصدر كل المعارف و النظريات هو التجربة الحسية . و أننا نتعرف على أشياء العالم الخارجي عن طريق الحواس ، وأن ليس في العقل إلا ما تمدنا به الحواس من انطباعات ترد علينا من العالم الخارجي . ومن ثمة فإن العقل صفحة بيضاء ، و أن لا وجود فيه لأفكار فطرية أو مقولات قبلية ، وأن كل معرفتنا مكتسبة ، وأن النظريات مجرد تسجيل و تدوين و تقرير وصفي لما في الواقع . فالواقع في نظرها هو المعطى الحسي القائم ، وما لا يمكن الإحساس به هو مجرد خيال و أوهام . فالتجريبية انشداد للواقع الطبيعي كما هو معطى ، و أنها لا تتصور واقعا آخر غيره . و لأن التجربة الحسية فردية و ذاتية جزئية سطحية محدودة عشوائية ظنية قد توقعنا في الخطإ ، لأن حواسنا قد تخدعنا ، فهذا ما جعل العلماء مع تقدم المعرفة يدركون أن التجربة الحسية عائق في وجه تقدم المعرفة العلمية و بلوغ اليقين و الدقة ؛ و هو ما دفعهم إلى الاستعاضة عن التجربة بالتجريب كمنهج علمي . ويحدد كلود برنار (1813_1878) المنهج التجريبي في 4 خطوات وهي :

1)_ الملاحظة : وهي معاينة عفوية للظاهرة الطبيعية كما تحدث في الواقع ، بدون تدخل العالم . وهذا ما يجعل من الملاحظة إنصاتا للواقع . ولا تكون الملاحظة علمية إلا إذا تولدت عنها في العقل فرضيةٌ .

2 )-- الفرضية : وهي فكرة مؤقتة يقترحها العالم لفهم و تفسير الظاهرة الملاحظة . ويشترط في الفرضية أن تكون مستوحاة من الملاحظة ، وأن تكون قابلة للتحقق منها بالتجربة . فالفرضية التي لا تُسْتَوْحَى من التجربة و الواقع مجرد خيال ؛ و الفرضية التي لا يمكن التحقق منها تجريبيا لا تنتمي لمجال العلم .

3 )-- التجريب : وهو إعادة إنشاء الظاهرة الملاحظة في المختبر للتأكد من صدق الفرضية . ويُشترط في التجريب العزل و التكرار والتنوع ، أي إعادة صنع الظاهرة في ظروف متماثلة و مختلفة .

4)-- القانون : وهو الفرضية التي تََأَكَّد صدقها تجريبيا و ثبتت صحتها المنطقية بالاستدلال . و هو تعبير رياضي رمزي عن علاقات ثابتة بين مجموعة من الظواهر .



و لأن مصدر الفرضية هو الملاحظة ، و أساس التحقق منها هو التجربة ، فإن كلود برنار يشترط في العالم أن يكون ملاحظا جيدا ومجربا ممتازا ، وهو إذ يلاحظ يتبين الفرضية ، وهو إذ يجرب يتأكد من صدق الفرضية . ولهذا لا توجد فرضية مستقلة عن الملاحظة و التجريب ، فالملاحظة تجربة أولى ، والتجربة ملاحظة ثانية . فالنظرية إذا هي تسجيل أمين لما في الواقع بدون زيادة ، تقوم على استنساخه و التطابق معه . و النظرية التي لا تطابق الواقع ليست علمية و إنما هي قول زائف خال من المعنى .

أما عالم الرياضيات الفرنسي روني طوم René THOM(1923-2002) فإنه يدعو لتجاوز التجريب بالمعنى الكلاسيكي بإدخال عنصر الخيال في بناء النظرية . بالخيال يتمكن العالم من إجراء تجارب في ذهنه قبل إجرائها في المختبر اعتمادا على المعطيات العلمية المكتسبة . وتكمن أهمية هذا النوع من التجارب في إمكانية إجرائها في الذهن عند تعذر إجرائها في الواقع إما لتكاليفها الباهرة و إما لعدم توفر الوسائل التقنية الملائمة . فوظيفة التجريب المختبري هي التحقق من الفرضية ، أما التجريب الذهني فهو تصور التجارب الممكن تطبيقها واقعيا . إن تقدم العلوم اقتضى اعتماد العلماء على تخيل تجارب ذهنية .

واضح أن النظرية في التصور التجريبي هي تصوير يطابق ما في الواقع .

العقلانية :

على عكس الفلسفات التجريبية تذهب العقلانية إلى أن العقل قادر بإمكانياته الذاتية واستعداداته الأولية و مبادئه القبلية معرفة الواقع دون اعتماد على التجربة ، بل إن التجربة بدورها من تخطيط العقل . وأن العقل هو الوسيلة الوحيدة للحصول على معرفة يقينية كلية و ضرورية . و يذهب كانط (1724-1804) إلى أن التجارب العلمية هي انكشافات مضيئة في أذهان العلماء ؛ فالعقل في نظره يتوفر بشكل قبلي على مقولات ينظم في إطارها الظواهر الطبيعة . فالواقع في نظره فوضى ، و العقل هو الذي يضفي عليه النظام ، إذ الواقع ينتظم وفق بنية العقل . و للعقل مبادئ يستنبط منها قوانين يستنتج منها أحكاما ؛ إضافة إلى ذلك فإن العقل يسائل الطبيعة في ضوء تلك المبادئ و يخطط للقيام بالملاحظات و إجراء التجارب . يقول كانط " إن عقولنا لا تأخذ القوانين من الطبيعة ، و لكنها تفرضها على الطبيعة ." وبناء عليه تكون النظرية إبداعا عقليا لا تصويرا للواقع .

أما اينشتين العالم الفيزيائي (1870-1955) فإنه يؤكد أن النظريات العلمية الفيزيائية المعاصرة هي إبداعات حرة للعقل الرياضي ، الذي يضع الأفكار و المبادئ التي يشتق منها القضايا و المفاهيم و القوانين بالاستنباط المنطقي . و بذلك لا تكون التجربة هي منبع المعرفة العلمية و إنما وسيلة توجهنا في اختيار النظريات الأكثر شمولية و القابلة للتطبيق بيسر و بدقة وبأقل تكلفة ، ما دام أن العقل الرياضي هو المبدأ الخلاق في العلم . إذا فالنظرية العلمية هي إبداع للعقل الرياضي .

غير أن فيلسوف العلم الفرنسي غاستون باشلارBACHELARD Gaston(1884-1962) ينتقد كلا من التصور العقلاني و التصور التجريبي ، مبينا أن نشأة وتقدم العلم يقتضيان حوارا بين العقل و التجربة ، فالعقل ينظم المعطيات التجريبية ، والتجربة تملأ و تصحح العقل . فالعقل بدون تجربة قاصر ، و التجربة بدون عقل عاجزة . و أن الباحث إذ يجرب يستدل ، وهو إذ يستدل يجرب . فالتجربة تجد أساسها في النظرية ، و النظرية تجد منطلقها في التجربة ، إنهما يسيران جنبا إلى جنب في بناء العلم . فالتجربة تحتاج إلى تفسير تقدمه النظرية وإلا ظلت غامضة ؛ و النظرية تحتاج إلى تطبيق تجريبي وإلا ظلت جوفاء و فارغة . و عليه فالنظرية في العلوم تشترط تعاون العقل و التجربة ، فالتجربة تحتاج إلى عقل يخطط لها ، و العقل يحتاج لتجربة تطبق نتائجه ؛ بحيث صارت النظرية في العلم المعاصر عقلانية تطبيقية تَستنبط الحقائق و تستقرئ الوقائع .

ج ) معايير علمية النظرية :

الاختلاف حول مصدر النظرية يرتبط بالاختلاف حول معيار علميتها ، فما هي معايير علمية النظريات العلمية ؟ لم يتفق فلاسفة العلم على معيار واحد لإثبات علمية النظرية العلمية .

فالوضعية التجريبية القائلة بمعيار التحقق التجريبي أكدت أن علمية النظرية تتوقف على درجة تطابق نتائجها مع الواقع الذي قامت لوصفه . و التجربة تشكل المعيار الوحيد للتحقق من صدق النظرية . والنظرية التي تأكد صدقُها تجريبيا مرة واحدة هي صادقة على الدوام . و أن مهمة العلماء هي البحث عن مزيد من التجارب لدعمها و تأييدها . غير أن هذا المعيار تعرض للشك للأسباب التالية :

لا يمكن التحقق من علمية نظرية بالتجربة ، فالنظرية عامة و التجربة جزئية ، ولا علم إلا بما هو كلي .
و أن نظرية أكدتها تجارب في ظروف ، يمكن أن تكذبها تجارب في ظروف مختلفة ، إذ لا توجد في العلم تجربة حاسمة .
وأن كل تجربة جديدة لدعم نظرية معلومة إنما هي تكرار لتجارب سابقة ، لا تضيف للعلم شيئا .
أن البحث عن مزيد من التجارب لدعم النظرية ، ينتهي إلى القول باطلاقيتها ، و بالتالي تعطيل حيوية العقل و توقيف تجديد العلم .
أما فيلسوف العلم كارل بوبر Karl POPPER (1902-1994) فبعد نقده لمعيار التحقق التجريبي ، يقترح معيارا بديلا هو معيار قابلية التكذيب ، الذي يتم بمقتضاه البحث عن وقائع و أدلة لإبطال النظرية بدل مواصلة العمل على حشد المزيد من التجارب المؤيدة . فالنظرية العلمية هي دائما في صيرورة ، ولا بد أن تخضع للمراجعة . ولا تتم المراجعة بتجميع تجارب للتأييد بل بالبحث عن تجارب للتكذيب أي بيان عيب النظرية . فبإبطال النظرية يتم فسح المجال أمام العلم لإبداع نظريات جديدة تكون أشمل وأكثر دقة . فالتكذيب يفسر حركية تقدم العلم كما يُظْهِر فاعلية العقل في النقد و التجاوز و الإبداع . فالنظرية العلمية هي تلك التي تسعى لتجاوز ذاتها باستمرار لا تلك التي تعتقد في صدقها المطلق . فهذا المعيار يسعى لجعل النظرية متفتحة . يقول إرنست مايـرErnst MAYR (1904-2005) : " إن النظرية لا تتحول أبدا إلى حقيقة ، ولكنها تفسح مكانها للحقيقة . "

على حين أن العقلانية المعاصرة تؤكد أن معيار علمية النظرية هو في تناسقها المنطقي أي في انسجام النتائج مع المقدمات و المبادئ ، بحيث تكون كل فكرة نتيجة منطقية لما قبلها و مقدمة لما بعدها ، الأمر الذي يجعل النظرية تسلسلا منطقيا من الأفكار . فالعقل الرياضي بإمكانه اقتراح عدد هائل من الفرضيات يستنبط من كل فرضية نتائج يبني منها نظرية . وبذلك تتعدد النظريات بتعدد الفرضيات . وأن هناك في العلم من النظريات بقدر ما هناك من الفرضيات . و بعد ذلك يسعى العلماء لتطبيق هذه النظريات بإنتاج وقائع اصطناعية لا يكون الواقع الطبيعي سوى إمكانية من إمكانات الواقع . فقوة النظرية العلمية إذا ليست في تطابقها مع الواقع وإنما في انطباقها عليه لتبدع فيه كائنات تقنية جديدة تزيد من ثرائه وغناه . و لم يعد الواقع مع تقدم العلم هو فقط مجموع الكائنات المعطاة في الطبيعة بل ما أنتجه العلماء وما بإمكانهم إنتاجه من كائنات اصطناعية بفضل النظريات العلمية و التجهيزات التقنية .

إن تاريخ العلم هو تاريخ تجدد نظرياته ، وأن النظرية العلمية هي نظرية مؤقتة و نسبية ؛ إنها صورة تقريبية للواقع لا صورة نهائية ، و هذا لا يطعن في معقوليتها و موضوعيتها و فاعليتها . يقول كلود برنار : ‘‘ إن النظريات التي نمتلكها بعيدة عن أن تمثل حقائق ثابتة ، بل لا تمثل إلا الحالة الحاضرة لمعارفنا ، و بالنتيجة لا بد من تعديلها تبعا لنمو العلم .’’
avatar
hager el fezazi

عدد المساهمات : 102
تاريخ التسجيل : 06/12/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى